الشيخ محمد اليعقوبي

46

خطاب المرحلة

وكانت امرأة عاقلة حكيمة ، فحينما خوطب ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالرسالة وغشي عليه هيبة لكلام الله تعالى بادر إلى عند خديجة يقول لها : زمّلوني زمّلوني وهو مثقل بحمل هذه الأمانة العظيمة ، فأقبلت خديجة ( رضي الله عنها ) تعينه على أمره وتقول : كلا والله ، لا يخزيك الله أبداً ، إنك لَتَصِل الرحم . . . إلى آخر كلامها ، وقالت له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أبشر يا بن عمّ وأثبت ، فوالذي نفس خديجة بيده ، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ، وكانت قد اطلعت على العلامات التي تسبق ظهور النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأنّ زمانه قد حان ، وسمعت ذلك من ابن عمّها ورقة بن نوفل ومن بعض الأحبار والرهبان ، وكانت تتوقع ذلك في محمد بن عبد الله ، بل إنها تزوجته لمّا تفرست فيه من كمالات تؤهله لأن يكون هو نبي آخر الزمان فتحققت فراستها . وبيّن جبرائيل ( عليه السلام ) لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كيفية الوضوء والصلاة وعلّمها لخديجة ففعلت كما فعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكان جبرائيل يقرأ خديجة السلام من ربها فيقول لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اقرأ خديجة السلام من ربّها ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يا خديجة ، هذا جبرائيل يقرئك السلام من ربك ، فقالت خديجة : الله السلام ومنه السلام وعلى جبرائيل السلام . ووقفت إلى جنب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تخفف عنه آلام الرسالة وأعباءها وتُشد من أزره وتسمعه كل كلام طيب وتفرج كربه ، وكانت ( رضي الله عنها ) لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عوناً كبيراً - وهنا ملاحظة ننبه عليها وهي ضرورية - فإن أشد ما يحتاجه حامل الرسالة مقابل ما يتعرض له من مصاعب ومحن هو البيت الهادئ والصدر الحنون والواسع ، وعلى العكس فإن أصعب من كل ما يواجه في الخارج هو البيت المشاكس ، لذلك نجد أن أشد تهديد في القرآن لم يوجه إلى المشركين - رغم